سوف نتحدث في هذا المقال حول ابو ذؤيب الهذلي وعينيته وطريقة شرح صورها وشواهدها  لنبدأ معا

ابو ذؤيب الهذلي

  • تعجبني عينيّة أبو ذؤيب الهُذلي في رثاء أبنائه كثيرًا، لكنها تثير عجبي أيضًا، فرغم إنشائها في زمن إسلامي إلا أني لا أعرف في سائر المدوّنة العربية قصيدةً مثلها تصوّر عالمًا ماديًا قائمًا على الفوضى والصدفة، حتى إننا لنقرأ الثلاثة والستين بيتًا كاملة لا نجد ذكرًا لرَوح الله.

شرح عينيّة ابو ذؤيب الهذلي

 

  • مُنيت القصيدة -رغم ذيوعها- برأي نقدي قويّ أفسد تلقّيها بعده، أعني رأي الخليفة المنصور حين رُزئ بابنه جعفر فطلب من ينشده إياها. يُقال إنه طلب إعادة المصراع: والدهر ليس بمعتبٍ من يجزعُ فوق المائة مرة، لكن حين وصل إلى الجزء الذي يصف الحُمُر الوحشية ضجر وقال: سلا أبو ذؤيب.  ولكي تلمس ما أُتيح لهذا الرأي من ذيوعٍ وغَلَبة، ارجع إلى كتاب المرشد للبروفيسور عبد الله الطيب -وهو هو فهمًا وذوقًا واستقلالًا بالرأي- تجده حين تناول العينية تابع الرأي المحتفي بشطرها الأول، المتضجّر من شطرها الثاني، بعد أن نسبه خطأً إلى عمر بن الخطاب، وهو للمنصور كما رأينا.

ثم حين أورد البيت القائل: والنفسُ راغبةٌ إذا رغّبتها * وإذا تُردّ إلى قليلٍ تقنعُ، أنكره، وتساءل عن مناسبته، ولو تدبّر مليًا أدرك أنّ وصف الحُمر والكلاب والثيران والفرسان داخلٌ ضمن ترغيب النفس وحملها على ما تكره، وأنّ ما يلي البيت تصبرٌ صرف. وللجاحظ كلمة مشهورة في كتابه الحيوان يشرح فيها كيف أنّ القصائد التي تصوّر صراعًا بين بقر الوحش والكلاب تختلف في مآلها حسب غرض الشاعر، فإذا كان مدحًا تغلّبت البقرة، وإذا كان رثاءً تغلّبت الكلاب، ولعلي لا أذهب بعيدًا لو جزمت أنه كتب هذا التفصيل وهو يستحضر قصيدتنا هذه مثالًا على الرثاء، ومعلقة النابغة مثالًا على المدح.

  • إنّ هذه المشاهد التي تزخر بها المعلّقات والقصائد القديمة، حين تصور صراع السباع والكلاب والثيران والحُمر، ليست استطرادًا محضًا، وإنّما من صميم القصيدة، هكذا أراها وهكذا أتذوقها في عينية أبي ذؤيب، وخير طريقةٍ نقرأ بها شطرها الثاني أن نتمثّلها أمامنا كأنها فلمًا وثائقيًا عن الحيوان.
    تمثّل حمار وحش أمامك، أصحر اللون، أبيض الحقوين، على ظهره شيةٌ من سواد، له أُتن أربع لم تدرّ ألبانها بعد، وتطاوعه أتان طويلة، تذهب حيث يذهب، وتأكل حيث يأكل، فينشطان ويعاض بعضهما بعضًا، فإذا هو يأخذ بالحِران والشِماع والصراخ حتى لكأنه عبدٌ لآل أبي ربيعة تُرِك مُهملًا.
ربما يهمك  قصة الملياردير البرازيلي سيسيرو و كيف كانت نهايته

ثم تغور المياه، وينقطع الكلأ، فيقرر الحمار -كأيّ ربّ عائلة مسؤول- أن يشقّ بأُتنه إلى ماء يتذكره بذات عرق، فكأن الأتن وهي تسير وراءه -جائزةً منعطف الوادي- إبلٌ انتُهبت وسيقت جماعات، أو كأنّها قِداح جُمعت سويًا في جلدةٍ والحمار لاعب ميسرٍ يضرب بها فيرسلها حينًا ويدفعها حينًا.
تستمر قافلتنا الهزيلة في سيرها إلى أن تصل الماء أخيرًا إبّان السَحَر، وقتما لاح كوكبُ العيّوق فوق الجوزاءِ لا يتقدّمها، كأنه رجلٌ يقعد خلف ضاربي القِداح يرقبهم كي لا يغشّوا، وحذارِ أن تنسب التشبيهين إلى ولع أبي ذؤيب بالميسر، بل هما داخلان ضمن تصوّره لعالم يعتمد على الصدفة والحظ.
تخوض الأُتن في الماء حتى تغيب فيه قوائمهن، ويشرعن في الشرب إلى أن يسمعن حسًا وراء الأكمة، وصوت وترٍ يُشدّ، وسهامٍ تَصِرّ، فيعرفن أنه الخطر، وينفرن هاربات في كل اتجاه، ولأنّ الخوف يطيش بالصواب يفرّ حمارنا وأتانه تجاه الأكمة حيث الصياد، فيرمي الأخيرُ الأتانَ بسهم يتصمّعُ ريشه دمًا.
ويعرّض الحمار بخاصرته جادًا في الهرب، فيعيّث الصياد في الكنانة إلى أن يرميَه بسهمٍ صاعدي يخترق جوفه ويستقرّ بين أضلاعه. وهكذا تُقتل الحُمُر بددًا، ما بين هاربٍ ببقيّة نفسه، وباركٍ ملتصقٍ بالأرض يلفظ أنفاسه، وينتهي المشهد على بحيرةٍ دم، وأذرعٍ توقّفت عن الحركة بعد أن اصطبغت بالدم.
ثم تختفي الصورة، وتظهر أخرى، فإذا بثور وحشي مما نطلق عليه الوضيحي يختبئ مذعورًا بين أشجار الأرطى، وقد انفتحت فوقه السماء حتى أغرقته وأنهكته، فهو ينتفض تارةً من البرد، وتارةً من الذعر، لا بدّ أنّه أمضى سحابة يومه الغابر هاربًا من كلاب الصيد إلى أن تخلص منها أخيرًا وعاذ بالأرطى.

ثم ينقطع المطر وينبلج الصبح، فيخرج يتشمّس ويجفف ما على إهابه من بلل، فإذا بأولى الكلاب تبصره، فيعدو عدوًا حثيثًا يكاد يسدّ فروجه، لكنّ ثلاثةً منها تدركه وتنسلّ بين قوائمه، وتنشب معركةٌ حامية الوطيس لا تملك وأنت ترقبها إلا أن تضع يدك على قلبك متذكرًا كيف أن الكثرة تغلب الشجاعة.
لكنّ الثور يفاجئنا، ويثبت أنَّ الشجاعة تنتصر أحيانًا، فرغم ما مُني به من عضّ ونهشٍ وجراحات، إلا أنّه يستبسل في دفاعه، فلا يزال في طعنٍ ورَمحٍ وفرٍ وكر، إلى أن تتفرق الكلاب عاويةً مستخذية، بينما يتصبب دمها من قرنيه الطويلين كأنّهما سفودين نُزعا قبل أن ينضج ما عليهما من شواء.
نرفع أيدينا للتصفيق، فإذا بصفيرٍ يروعنا ويجمّد كفّينا، وإذا بصاحب الكلاب يظهر فجأة، بعد أن اخترق سهمُه جانبَ الثور، ليكبّ الأخير على وجهه كأنه بعيرٌ ضخم، بحركةٍ لا أتخيّلها إلا بطيئةً وكأني أشاهد فلمًا وثائقيًا في الناشونال جيوغرفيكز لحظة سقوط الفريسة.
ثم تختفي الصورة، وتظهر أخرى، فإذا بفارسٍ يتعهّد فرسه؛ يتخذ لها سرجًا من جلد، ويحبس لها اللبن إلى أن تسمن وتثوخ فيها الإصبع. كان الأصمعي يعيب هذا ويقول: توصف الفرس بشدة اللحم ويبسه، لا أن الإصبع تثوخ فيها، وقد صدق لو أنّ أبا ذؤيب رمى إلى كرم الفرس، لكني إخاله رمى إلى شيء آخر.

ربما يهمك  اهم المعلومات عن ون بيس الكتب المتعلقة بالشخصيات

ففارسنا -رغم ما وُصف به من بطولة وتخديع- لم يشهد لقاءاتٍ كثيرة، بل إني أتخيّله فتًى غرًا يقضي نهاره حالمًا بالمجد وقراع الفرسان، ويترجم ذلك بصقل سيفه وتلميع مغفره وتسمين فرسه، ولولا أنّ فرسه لم تغادر الدار لما سمنت حتى ثاخ فيها الإصبع، وحتى تفلّق عضلها، وبدا ضرعها صغيرًا كالقُرط.
ثم يرمي به أبو ذؤيب في ساحة الوغى، هكذا فجأة، فنراه متسربلًا بالحديد من رأسه إلى أخمص قدميه، ونراه يصادم الأبطال ويعانقهم، ونراه يكرّ ويفرّ مستبسلًا، حتى إنّه ليذكرنا بثور الوحش في المشهد السابق، إلى أن يبصر به فارس جرئ واسع الصدر، فيتواقفان ويستعدان للنزال واللقاء.
ويكون أبو ذؤيب من الحذق الفني بحيث يترك وجهة نظر الفتى Point of View وينسحب ليقف على مسافة متساوية من الفارسين، استعدادًا لنهاية القصيدة ومفارقتها الكبرى، فكلاهما كان يحدّث نفسه بالمجد، وكلاهما متوشح بسيف له رونق، وكلاهما في كفّه رمح كالمنارة، وكلاهما عليه درع من صنع داوود وتبّع.
لكننا لا نملك موضوعية أبي ذؤيب ولا تجرّده، إذ لا تزال قلوبنا معلقة بالفتى وبفرسه التي تثوخ فيها الإصبع. هل سيصمد لهذا الفارس المجرّب؟ وكما شككنا بالشجاعة أمام الكثرة، ها نحن نشك بالشجاعة أمام التجربة. يلتقي البطلان، ويتخالسان طعنتين، ويسقطان وقد تمزق جلداهما كثوبٍ لا يُرقع.
يا للمفارقة! كلاهما انتصر، وكلاهما خسر، وكلاهما جنى العلاءَ لو أنّ شيئًا ينفع، والمصراع الأخير يذكّر بأحد أبطال شكسبير حين تساءل متهكمًا: “ما الشرف؟ ماذا تعني كلمة شرف؟ هواء، محض اتفاق. من يملكه؟ أولئك الذين سقطوا الأربعاء. هل يسمعونه أو يشعرون به؟ إطلاقًا. شرفكم محضُ شاهد قبر!”
والآن لنرجع إلى الخليفة المنصور ورأيه الذي استفتحنا به. فبعد أن بكى أبو ذؤيب وأبكانا معه أول القصيدة، وبعد أن ذكر شحوب جسمه، وغزير دمعه، ونبوّ جنبه عن الفراش، وامتهانه نفسه في العمل رغم قدرته على اكتراء الرجال، وتكالب المصائب على قلبه حتى تحوّل حجرًا تطأه المارة في سوق المشرّق.
بعد كل هذا، أكان يجدر به أن ينتقل إلى وصف الحُمر والثيران والكلاب؟ أهو استرسالٌ محض، أم عزاء صِرف؟ هل سلا أبو ذؤيب، أم تكلّف ما يسليه؟ وحذارِ أن تستهين برأي المنصور، فهو من أحذق الخلفاء بالشعر، لكنّ تربيته الإسلامية -كما أتصوّر- جعلته ينكر طريقة أبي ذؤيب ويعدّها خروجا عن الموضوع.

ربما يهمك  تأثير نظرية الغرس الثقافي في الاعلام و المسلسلات

مصادر