أكبر محتال في التاريخ:

في ثمانينات القرن الماضي، تعرضت مصر لأكبر عملية احتيال في تاريخها .
في ما عرف وقتها باسم شركات توظيف الأموال، إذ أن هذه الشركات كانت تعمل تحت ما يسمى غطاء ديني .
على أساس أن مكسبها حلال وفوائد البنوك حرام !

سحبت هذه الشركات مليارات على أساس أنها تشغلهم وتقدم لهم الأرباح الخرافية !
ولكن تبين أن هذه عملية نصب تمت على منهج رائد هذا النوع من الاحتيال..

                النصاب الإيطالي تشارلز بونزي

في هذا المقال الذي سيكون على شكل قصة قصيرة سنتحدث عن سيستم النصب الذي اخترعه تشارلز بونزي .

مخطط بونزي:

وهو أشهر نظرية احتيال في العالم، وهي الى الآن قيد الاستخدام .
مثلما العصفور يتغذى على الحبوب، والأرنب يتغذى على الجزر، والأسد يتغذى على اللحوم .
النصاب يتغذى على الطمع ..

النصاب يخاطب أطماع الناس وليس عقولهم !

ولو شخص واحد استخدم عقله ولو لدقيقة واحدة سيكتشف أنه ليس تجارة أو استثمار يضاعفوا الأموال بالسرعة التي يقترحها النصاب .
بينما النصاب جالس في مكانه، هادئ، ومبتسم، وذو كاريزما أيضاً .
هذه هي بالضبط الصفات التي تميز بها تشارلز بونزي، وهي التي ساعدته في أن يوقع ضحاياه ويكسب حوالي 15 مليون دولار في 8 شهور فقط، سنة 1920 بما يعادل حوالي 250 مليون دولار بأسعار اليوم .

مخطط بونزي لا يحتاج ذكاء خارق؛ لأن فكرته كانت تعتمد على إقناع الضحايا بأنهم سوف يكسبون أموال كبيرة جداً في وقتٍ قصير .

مثلاً أن يقول لك أحدهم: اقرضني مبلغ صغير من المال، وسأعيده لك ثلاثة أضعاف بعد ثلاثة شهور !
بما أن المبلغ صغير فأنت ستوافق على هذا الطلب، والغريب هنا أن النصاب يوفي بوعده .
وترى أن أموالك كسبت وتضاعفت في زمن قياسيّ، وتتخيل أنك وجدت كنز علي بابا ..

فأنت ستتابع على هذا النهج وستعطي كل مدخراتك للنصاب، لكي تتضاعف.
النصاب يأخذ الأرباح من الضحايا الجدد ويوزعها على هيئة أرباح للضحايا الأقدم، ويأخذ ما تبقى من المال لنفسه .

وطالما هناك مغفلين جدد فهذه العملية من النصب والاحتيال مستمرة لا تتوقف ولا تنكشف إلا إذا الناس توقفت عن استثمار أموالها مع المحتال، وبدأت تتطالب بأموالها بالإضافة الى الأرباح .

لكن الأموال استثمرت على شكل أرباح، ولا يوجد أي استثمار يحصلوا من خلاله على أرباح .
وفي هذا الوقت يعجز النصاب عن السداد، ويهرب في الأموال التي بقيت معه، أو يتم القبض عليه قبل أن يهرب مخطط بونزي تتطور وأصبح نصب التسويق الشبكي أو الهرمي .

والفرق هو أن التسويق الشبكي: تكون كل الطبقة من المنصوب عليهم شريكة في النصب على الطبقة التي تقع تحتها، لأن كل طبقة من طبقات الهرم هي التي تجند الطبقة التي تحتها مقابل أن الطبقة التي تحتها تجند التي تحتها وهكذا ..

أما في العموم يكون رأس الهرم فقط يعلم أن العملية كلها نصب في نصب، أما باقي الأعضاء فهم فقط أدوات في هذه العملية .
تشارلز بونزي من مواليد 1882 من إيطاليا، واسمه الحقيقي كارلوس بونزي، لا يوجد معلومات كثير عن طفولته أو مراحل شبابه الأولى، كما يعتقد أنه درس في جامعة سابيانزا في روما .

غادر بونزي أمريكا في سنة 1903 عن طريق البحر، كان يملك من المال فقط 2.5$، لأنه أنفق كل ماله على لعب القمار في السفينة أثناء الرحلة .
هذا ما قاله في لقاء مع صحيفة نيويورك تايمز، كما قال أنه يحلم أن يكون معه مليون دولار، وهذا الحلم لم يفارقه أبداً !

ومثل أي شاب مهاجر، بدأ بونزي من الصفر، وبدأ بالأعمال البسيطة .
سنة 1907 حصل على فرصة عمل في بنك زاروسي في مدينة مونتريال في كندا .
كان معروف عن هذا البنك أنه يعطي قروض للمهاجرين الإيطاليين بفوائد عالية جداً، ولم يكن له أي نشاط حقيقي .

وكان يأخذ من أحدهم ويعطي أحدهم، ولكن أخيراً وصل الى الإفلاس، وتم القبض على بونزي بتهمة تزوير شيك، وانحكم عليه بالسجن لمدة 3 سنين قضاها في أحد سجون كبرغ، وبعدها سنتان في سجن أمريكي بتهمة تهريب مهاجرين إيطاليين من الحدود الأمريكية الكندية .
ثم عاد برونزي بوستن وتزوج سنة 1918، وحاول أن يعمل في أي عمل .

ومن ضمن الأعمال التي قام بها دليل تجاري بأسماء وعناوين الأماكن التجارية، لكن لم يحقق أي مكسب !
لكن في يوم من الأيام أرسلت له شركة من أسبانيا تطلب هذا الدليل، كما بعثت له الثمن على شكل طوابع بريد دولية يمكن استبدالها بأموال من أي دولة، وهذه كانت طريقة جديدة لإرسال الأموال من بلد إلى بلد آخر .
ولم يعرف بونزي بهذه الطريقة من قبل، ولكنه لاحظ أن فرق العملة من بلد إلى بلد آخر يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة جداً .

يعني مثلاً لو 1$ يشتري بأمريكا طابع واحد
فهو يشتري في أسبانيا 6 طوابع .

وفي أمريكا يتم استبدال هذه الطوابع الستة بستة دولار !
وبهذا يكون الدولار الواحد ستة دولار من دون أي مجهود وفي زمن قياسي .
اعتبر تشارلز بونزي نفسه أنه وجد الكنز، ومن هنا أتت فكرة إقناع الناس أن يعطوه أموالهم يشغلها في عملية مبادلة طوابع البريد الدولية، والفكرة كانت مقنعة جداً وكل الذي يسمعها كان يعتبر نفسه وجد الكنز !

اشتهر بونزي وبدأت الصحف تكتب عنه، وزع إعلانات ووعد الناس في البداية بعقد نسبته 40% في تسعين يوم فقط ..
ثم اصبحت النسبة 100%، وبعد أن استلمت أول دفعة من المستثمرين فعلاً العائدات التي وعد بها، زاد الإقبال جداً على الاستثمار في شركة بونزي .

لكنه لا يوجد عدد من الطوابع يكفي ليغطي كل الأشخاص الذين وضعوا استثماراتهم في شركته !
ولا يوجد قانون يسمح باستغلال فرق العملة على هذا النطاق الواسع .
وبدأ بونزي يدفع للمستثمرين الذين حان موعد صرف عملتهم من أموال المستثمرين الجداد .
الذين يزدادوا كل يوم وثقتهم به تزداد .

حصل بونزي على ثروة هائلة نتيجة هذا العمل، وكان يعيش كالملك !
لكن لابد لهذه اللعبة أن تنكشف وكان ذلك في أغسطس 1920، وحصل هذا نتيجة سلسلة تحقيقات قامت بها صحيفة بوستن بوست، كان تريد هذه الصحيفة أن تعرف من أين يحصل بونزي على كل هذه الأموال .

في هذا الوقت كان بونزي أكبر مساهم في البنك الذي يضع فيه أمواله، وتم انتخابه رئيساً للبنك .
تابعت الصحيفة ملاحقته ونشرت بين الناس أن عمل بونزي في تبديل الطوابع الدولية يستحيل أن يجمع كل هذه الأمول .

على إثر هذا بدأت الناس تشك بأن بونزي حقاً نصاب محترف، وراحوا يطالبون بسحب أموالهم من شركته .
وبدلاً من الطوابير أمام الشركة التي كانت تريد أن تعطيه الأموال، تحولت هذه الطوابير إلى أشخاص يريدون استرداد أموالهم .

استطاع بونزي أن يحتوي غضب الناس ويتخلص من شكوكهم، وأكد لهم أنه يملك طرق سرية لتحقيق مكاسب غير موضوع البريد ..
وكان يطلب لكل شخص واقف ضمن الطابور القهوة ثم الطعام ..
لكن الكثير من الناس تراجعوا وغادروا الطابور، قبل أن يستلموا أموالهم واستردوا ثقتهم به وقرروا أن يتركوا الأموال معه .

لكن صحيفة بوستن بوست لم تصمت، ونشرت تحقيق آخر طرحت فيه سؤال جوهري ..
وهو إذا كان بونزي يستطيع أن يحقق أرباح بنسبة 100%، وأمواله في بنك يأخذ عليهم فائدة بنسبة 5% لماذا؟

كما استطاعت الصحيفة أن تحصل على ماضي بونزي وحكاية دخوله السجن مرتين !
هذه التحقيقات الصحفية دمرت شركة بونزي .. لكنه لا يزال يحاول أن يكسب تعاطف الناس للحظة الأخيرة .

كما ادعى أن المشاكل المالية التي حصلت معه كان سببها أن الأغنياء الذين يمتلكون النفوذ والثروة يريدون عقابه لأنه يريد يمنح عامة الناس الفرصة ليصبحوا اغنياء

في النهاية تم القبض على تشارلز بونزي في 12 اغسطس عام 1920، وتوجهت له 86 تهمة بالاحتيال عبر البريد وكان مديوناً بسبعة مليون دولار، وبعد ثلاث سنين ونصف من السجن فرج عنه بكفالة .

سافر الى فلوريدا ودخل السجن مرة ثانية بتهمة احتيال عقاري، وهذه المرة وعد الناس بعائد نسبته 200% خلال 60 يوم .

وبعد أن سجن 7 سنين، ترحل الى ايطاليا، وصدر قرار بمنع عودته نهائياً للولايات المتحدة، وفي إيطاليا وجد عمل في شركة الخطوط الجوية الإيطالية التي لها فرع في البرازيل لكن الفرع أغلق بسبب الحرب العالمية الثانية، وتنقل بونزي بين عدة وظائف ولكن كالعادة لم يستمر بأي عمل !

توفي بونزي في مستشفى خيري سنة 1949 وهو لا يملك غير 75$ .

المصدر:

مدونة تجار من وهم

المزيد من قصص المحتالين في العالم:

عمر عايش

جورج باركر